أحمد بن إبراهيم الغرناطي
172
صلة الصلة
أبي محمد ، وتفقه به وأجاز له ، وعن عمه أبي محمد عبد الرحيم ، وأبي سليمان بن حوط اللّه - وأجاز له - ، وأبي عامر بن ربيع ، وغير هؤلاء . وكان فقيها جليلا ، أصوليا ، من بيت علم ودين ، ومن جلة أهل الأندلس في وقته علما وعملا ، مشاورا ببلده ومعتمدا ، وعلى قدم في الورع ، لم يكن في وقته بالأندلس بعد أبي عبد اللّه بن أبي صالح ، وأبي محمد بن عطية ، من يماثله ولا من يقاربه ، وكان مهيب الجانب ، مسموع القول ببلده ، غير معرج على ذي دنيا ، ولا مكترث به ، لا يخاف في اللّه أحدا ، ولا تأخذه فيه لومة لائم ، ولا يأكل إلا من حيث يعلم أصله ، أو ما لا يسأل عن مثله ، وكان - رحمه اللّه ورضي عنه - يقرئ الفقه ، وأصول الفقه ، ويعتمد في الأكثر قراءة مستصفى أبي حامد ، وجواهر بن شاس ، وكان له بهذين الكتابين اعتناء كبير ، وفيهما تصرف لتعويله عليهما ، ودءوبه على تدريسهما ، وكان مسدد النظر ، جليلا في دينه ، صحبته - رحمه اللّه - مدة من ثلاثة أعوام ، وأخذت عنه مسائل من مستصفى أبي حامد مما كان له فيه اختيار ، أو مفهوم ما ، وقرأت عليه أشياء خلال تلك المدة من الأصول وغيرهما ، وهو من عليه من لقيت في فضله وورعه ، وممن ختم به رجال الأندلس ، وله تعاليق على أحاديث من كتاب مسلم مما قيد وقت كلامه عليه بالمسجد الجامع من مالقة ، إذ كان يحلق به ويخطب ويؤم ، وتآليفه نبيهة مفيدة ، منها : " شرحه للأسماء الحسنى " ، وغير ذلك ، وكان شديد التصميم على المذهب المالكي ، مع ميله إلى الترجيح ، والتصرف في نظره - رضي اللّه عنه - ، وكان يؤثر مذهب الأشعرية ، ويذب عنه مع ميله إلى التصوف ، شديد التحفظ في كل هذا ، لا يقدم على شيء منه عن غير نظر ، جربت عليه - رحمه اللّه - إجابة دعوات ، وعرف منه سني حالات . توفي في جمادى الآخرة سنة 666 ه ، وقد كان انتحل في حياته حفر قبره ، وأعد أكفانه وما يحتاج إليه ، ولم يورث عنه - رحمه اللّه - دينارا ولا درهما سوى أربعة وثلاثين درهما ، وجدت في أكفانه مكتوبا عليها : للحاملين كذا ، وللغاسل كذا وكذا ، إلى ما يحتاج في مؤونة الدفن ، وما يتعلق بذلك ، وكان قبل وفاته بيسير قد باع كتبا وأسبابا كانت عنده ، وتصدق بثمنها لمسبغة كانت ببلده ، قلما أبقى لنفسه فيها شيئا إلا تصدق به - رحمه اللّه - ، كانت شديد الخوف للّه - سبحانه - ، طيب النفس ، حسن الظن بالمسلمين ، محبا في أهل العلم ، ذابا عنهم ، جليل القدر في دينهم ، مقتصدا في لباسه ومأكله ومسكنه ، محافظا على ما أغفله الناس من السنن والمندوبات ، شديد التواضع ، بريئا من الكبر ، متخلقا ، ذا دعابة مستحسنة ، وحلاوة شمائل ، مشاركا في حوائج المسلمين ، بارا بكل أحد ، بقية من بقايا الجلة الأخيار - رحمه اللّه - ، أخذ